ابن الجوزي
19
زاد المسير في علم التفسير
والثالث : أن معناها : لا ريب فيه أنه من عند الله ، قاله مقاتل في آخرين . فان قيل : فقد ارتاب به قوم . فالجواب : أنه حق في نفسه ، فمن حقق النظر فيه علم . فان قيل : فالمتقي مهتد ، فما فائدة اختصاص الهداية به ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أنه أراد المتقين ، والكافرين ، فاكتفى بذكر أحد الفريقين ، كقوله [ تعالى ] : ( سرابيل تقيكم الحر ) . أراد : [ المتقين والكافرين فاكتفى بذكر أحد الفريقين ] والبرد والثاني : أنه خص المتقين لانتفاعهم به ، كقوله : ( إنما أنت منذر من يخشاها ) . وكان منذرا لمن يخشى ولمن لا يخشى . الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( 3 ) قوله تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ) الايمان في اللغة : التصديق ، والشرع أقره على ذلك ، وزاد فيه القول والعمل . وأصل الغيب : المكان المطمئن الذي يستتر فيه لنزوله عما حوله ، فسمي كل مستتر : غيبا . وفي المراد بالغيب ها هنا ستة أقوال : أحدها : أنه الوحي ، قاله ابن عباس ، وابن جريج . والثاني : القرآن ، قاله أبو رزين العقيلي ، وزر بن حبيش . والثالث : الله عز وجل ، قاله عطاء ، وسعيد بن جبير . والرابع : ما غاب عن العياد من أمر الجنة والنار ، ونحو ذلك مما ذكر في القرآن . رواه السدي عن أشياخه ، وإليه ذهب أبو العالية ، وقتادة . والخامس : أنه قدر الله عز وجل ، قاله الزهري . والسادس : أنه الايمان بالرسول في حق من لم يره . قال عمرو بن مرة : قال أصحاب عبد الله له : طوبى لك ، جاهدت مع رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] ، وجالسته . فقال : إن شأن رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] كان مبينا لمن رآه ، ولكن أعجب من ذلك : قوم يجدون كتابا مكتوبا يؤمنون به ولم يروه ، ثم قرأ : ( الذين يؤمنون بالغيب ) . قوله [ تعالى ] : ( ويقيمون الصلاة ) الصلاة في اللغة : الدعاء ، وفي الشريعة : أفعال وأقوال على صفات مخصوصة . وفي تسميتها بالصلاة ثلاثة أقوال : أحدها : أنها سميت بذلك لرفع الصلاة ، وهو مغرز الذنب من الفرس .